الستون من العمر وقفة تامل بقلم محمد الخضيري الجميلي
﴿وَمَن نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ ۚ أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾
الحمد لله الذي مدَّ في الأعمار، وبلغ بعباده سنونًا بعد سنين، والصلاة والسلام على سيد الخلق محمدٍ وعلى آله الطيبين الطاهرين.
1. إذا بلغت الستين، فتذكّر أن ما بقي من الطريق أقصر مما مضى، وأن التغيير أصبح ضرورة لا خيارًا، فابدأ أولى خطواته بالتخفف من أعباء الدنيا، وأحسن الاستعداد للآخرة.
2. حين تبلغ الستين، اجعل اهتمامك بنفسك، بعد أن قضيت عمرك في رعاية غيرك، وامنح قلبك وبدنك راحةً تستحقها بعد رحلةٍ طويلة.
3. إذا خطوت إلى هذه المرحلة، فقل للعالم: لست بعد اليوم حارسًا لهمومه، ولا أسيرًا لأخباره، فقد مضى زمان الانشغال، وجاء وقت السكينة والرضا.
4. علّم أبناءك أن يواجهوا مشاكلهم بأنفسهم، وأن يوفّروا قلبك من العناء، فقد أدّيت رسالتك وأعطيت من عمرك ما يكفيهم.
5. حين تبلغ الستين، تجنّب الجدال، فما عاد للعمر متسع للمخاصمات، وكلٌّ راضٍ بعقله وقناعته، وابتع راحتك ولو بدفع الثمن، فسلام النفس أغلى من كنوز المال.
6. إذا كنت في يسر، فاجعل الكرم عادةً لك، وأهدِ من حولك، واذكر مَن كان له فضل عليك يومًا بقولك: شكرًا، فإن الكرم في الكِبَر أبهى من الكرم في الصغر.
7. عند الستين، لا تتوهم أنك المصلح الأعظم ولا أن رسالتك تصحيح أخطاء الناس، فالوقت الذي بقي لا يكفي لمناقشة الزلات، ولكنه يكفي لبناء راحة بالك وصفاء روحك.
8. اجعل عينك على الجانب المشرق في الناس، وابتعد عن النقد واللوم، وأكثر من الثناء والدعاء، فإن الكلمة الطيبة حياة للقلوب.
9. لا تنافس أحدًا، فقد انتهى زمن السباق وجاء زمن السكينة، والتقاعد هو نعمة إن أحسنت استثمارها، فاعتنِ بصحتك، فإنها رأس مالك الأخير.
10. لا تقطع صلاتك بالناس، ولا تجعل قلبك متعاليًا، فإن الوحدة في آخر العمر أقسى من المرض.
11. لا تمنح قلبك لمن يراك خيارًا ثانيًا، فمكانتك أغلى، وزمانك أثمن.
12. اجعل غايتك في هذه المرحلة السعادة والرضا، فليست السعادة بكثرة المال ولا بجاه المناصب، ولكنها براحة البال وصفاء الصلة بالله.
13. احذر أن تُحمِّل نفسك بعد الستين أمانة المناصب والقيادة، فقد قال النبي ﷺ: “من وَلِيَ أمرَ عشرةٍ أو أكثر، أتى يومَ القيامة مغلولةً يدُه إلى عنقِه، فكه عدلُه أو كبَّه جورُه في النار”، فدع عنك الأثقال، واكتفِ بما مضى من البلاء والاختبار.
14. واختم عمرك بالحمد والشكر، فقد أعطاك الله فرصةً لتبلغ الستين، فاجعلها بابًا للتوبة وتجديد العهد مع ربك، عسى أن تلقاه وهو عنك راضٍ، فيغفر لك ويرحمك برحمته الواسعة