كم تمنيتُ أن أكون في ذلك المقهى المطلّ على دجلة في الشرقاط، حيث النهر لا يجري… بل يُصغي.
هناك، عند انحناءة الماء، تتباطأ الأصوات، ويصبح لكلّ عابر حكايةٌ تستحق أن تُروى.
قال لي شيخٌ يراقب الغروب:
النساء اللاتي يمررن من هنا لا يتركن آثار أقدام… بل يتركن اضطرابًا في القلب.
تذكّرتُ فورًا كيف كان مظفر النواب يكتب المرأة كأنها وطنٌ ضائع، وكيف يجعل من نظرةٍ عابرة ثورةً كاملة.
رأيتُها مرة.
لم تكن تمشي، بل كانت تتهادى كأن المسافة بينها وبين الأرض اتفاقٌ قديم.
عيناها لم تكونا سوداويّتين فحسب، بل فيهما ذلك الوميض الذي يشبه لحظة قبل المطر.
وحين جلست، شعرتُ أن المقهى أعاد ترتيب كراسيه احترامًا.
صديقي همس:
هذه ليست جميلة بالمعايير المتداولة.
أجبته: المعايير تُكتب في الصحف… أما الفتنة فتُكتب في الذاكرة.
في تلك اللحظة، صدح صوتٌ قديم من مذياعٍ متعب بأغنية لـ سعدي الحلي، فارتجف شيءٌ في داخلي.
بعض الأصوات لا تُغنّى… بل تُوقظنا.
وكأن كريم منصور كان يشرح لنا سرّ الحنين حين يتحول إلى قدر.
قالت وهي تنظر إلى النهر:
دجلة يعرف أكثر مما يقول.
ضحكتُ وقلت: والقلوب أيضًا.
في زحام الحياة، نمرّ بوجوه كثيرة.
لكن وجهًا واحدًا فقط يستطيع أن يغيّر إيقاع أيامك.
وجهٌ يشبه مساءً شتويًا في الموصل،
هادئًا… لكنه مليء بأسرار لا تُفهم من النظرة الأولى.
الكلمات تتبخّر.
الصور تبهت.
حتى المدن تتبدّل ملامحها.
لكن هناك لحظة — قصيرة، خاطفة، غير محسوبة — تختصر العمر كله.
لحظة تجعل الزمن يقف احترامًا، وتجعلك تدرك أنك لم تكن تعيش حقًا قبلها.
أسخر أحيانًا ممن يتحدثون عن المجرات البعيدة.
أي مجرّة أبعد من قلبٍ لا يُطال؟
وأي فيزياء أعقد من حنينٍ لا تفسير له؟
منذ تلك الأمسية، تغيّرتُ.
لم أعد أبحث عن الإجابات… بل عن تلك النظرة التي أربكتني.
صرتُ أفهم أن بعض النساء لا يُحببن… بل يُحدثن زلزالًا صامتًا في الداخل.
وأن دجلة، حين يشهد قصةً كهذه،
لا يجري بعدها كما كان.
بقلم محمد الخضيري الجميلي