الوفاء لا يحتاج لافتة مدينة كي يُعرَف.
في المدينةٍ يمرّ نهرٌ عتيق كأنه شاهدٌ صامت على العهود. هناك تعلّمتُ أن الوفاء لا يُعلن عن نفسه… بل يُختبر.
هذه المدينة جرّبت الفقد، وذاقت مرارة الغياب، لكنها لم تتخلَّ عن ذاكرتها.
البيوت التي تصدّعت عادت فارتفعت، لا لأنها حجارةٌ صلبة، بل لأن في داخلها قلوبًا أبت أن تخون ما كان.
كان بدر شاكر السياب يرى أن الانتماء مطرٌ داخلي، لا يسقط إلا على من يستحقه.
وأقول: الوفاء هو أن تظلّ مبللًا بذلك المطر، حتى حين يجفّ كل شيء حولك.
في مساءٍ ساكن، انبعث صوت كاظم الساهر من نافذةٍ نصف مغلقة، يغني عن وعدٍ لا ينحني.
الوعد الحقيقي لا يتغيّر بتغيّر الفصول.
إمّا أن تصونه… أو لا تنطقه.
الوفاء أن تبقى حين تصبح المصلحة ضدك.
أن تحفظ الودّ في غياب أصحابه.
أن لا تسمح للغضب أن يمحو تاريخًا من العشرة.
رأيتُ في تلك المدينة رجالًا لم يغيّرهم الخراب، ونساءً حفظن البيوت من الانكسار، وأصدقاء بقوا كما هم رغم تبدّل الأيام.
الأوفياء لا يرفعون أصواتهم… لكن حضورهم أعلى من الضجيج.
يشبهون أغنيةً هادئة لـ حسين الجسمي؛ قد لا تصدح في الساحات، لكنها تسكن القلب طويلًا.
الوفاء ليس بطولةً تُصفَّق لها،
بل التزامٌ صامت.
هو أن تكون ثابتًا حين يتبدّل الآخرون،
وأن تظلّ صادقًا حين تصبح الصراحة مكلفة.
وفي تلك المدينة وعند ضفة النهر، فهمتُ أن الإنسان لا يُقاس بما جمع…
بل بما حفظ.