حارسة النهر: قلعة آشور حين يتنفس الحجر تاريخاً
على رابيةٍ صخرية تُطل بكبرياء على انحناءة دجلة في الشرقاط، تقف قلعة آشور؛ ليست مجرد أطلالٍ من طين وحجر، بل هي "الشهقة الأولى" لإمبراطوريةٍ علّمت العالم كيف يُصاغ المجد. هناك، حيث تلتقي زرقة الماء بسمرة التراب، تشعر أن الزمن لا يمشي بخطى مستقيمة، بل يدور في حلقاتٍ صوفية حول "الزقورة" العظيمة.
قيل قديماً إن المدن تموت حين يرحل سكانها، لكن آشور استثناء؛ فكلما هبّت ريح الشمال، سمعتَ في تجاويف أحجارها صدى وقع أقدام الملوك وصليل سيوف "تغلات بلاسر". هي ليست مكاناً نزوره، بل هي حالة ذهنية تعيدك إلى مربع الدهشة الأول.
في طفولتنا، كانت القلعة هي "البوصلة". لم نكن نحتاج لنظام تحديد مواقع، فكل الطرق في الشرقاط تؤدي إلى حضن التاريخ. جلسنا على سفوحها نرقب الصيادين وهم يصارعون الأمواج، وكنتُ أتخيل أن هؤلاء الرجال هم أحفاد المهندسين الذين رفعوا هذه الأسوار العظيمة قبل آلاف السنين.
صديقي، الذي يميل للواقعية المفرطة، سألني يوماً:
"ما نفع هذه الحجارة الصماء في عصر التكنولوجيا؟"
أجبته: "الحجارة ليست صماء، نحن فقط من فقدنا حاسة السمع. هذه القلعة هي 'أمر الخدمة' التاريخي الذي يذكرنا بأننا لسنا طارئين على هذا الوجود."
في "الزقورة"، ذلك الهرم الرافديني الذي يعاند الريح، تدرك معنى "درجات التدرج" الحقيقية. ليست الرتب هي ما يصنع الهيبة، بل هو الارتفاع نحو المعنى. كل طبقة من طبقاتها كانت صلاةً مرفوعة نحو السماء، وكل آجرّةٍ فيها تحمل بصمة إنسانٍ كان يؤمن أن الخلود ممكن.
تأملتُ النهر من أعلى الشاهق، وبدا لي دجلة كخيطِ حريرٍ يربط الماضي بالحاضر.
هنا، في هذا المكان، وُقعت أولى "المراسلات" الدولية، وصيغت القوانين التي نظمت حياة البشر قبل أن يعرف العالم معنى "البروتوكول". القلعة لم تكن مجرد حصن عسكري، بل كانت مركزاً لإدارة الكون بأسره.
يقول البعض إن التاريخ عبء، وأنا أقول إن قلعة آشور هي "سندٌ" نستند إليه حين تتمايل بنا رياح التغيير. في كل زاوية منها، ثمة قصة حب لم تُحك، ومرثية لم تُغنّ، وانتصار لم يسجله إلا غبار السنين.
ضحكتُ وأنا أتذكر كيف كنا نتسابق نحو القمة، وكيف كان النفس يضيق كلما علونا، ليس بسبب المجهود، بل بسبب جلال المكان الذي يفرض عليك الصمت.
أدركتُ حينها أن العظمة لا تُقاس بالمساحة، بل بالأثر الذي تتركه في الروح.
اليوم، تقف قلعة آشور في الشرقاط كشاهدٍ صامت، لا تطلب من المارين شيئاً سوى "الالتفات".
هي تذكرنا أن المدن قد تتعب، والجسور قد تسقط، لكن الجذور الضاربة في أعماق "آشور" تظل هي الضمانة الوحيدة بأننا سننهض دائماً من جديد.
في النهاية، ليست القلعة مجرد مَعلمٍ سياحي، بل هي مرآة نرى فيها انعكاس شموخنا. هي "العنوان الأبرز" في كتاب حياتنا الشرقاطي، والقصيدة التي لا تنتهي قوافيها مهما طال الزمن.