الموضوع: في الشرقاط
عرض مشاركة واحدة
قديم منذ /منذ 2 ساعات   #1

 
شخصية مهمة

الصورة الرمزية محمد الخضيري

 

محمد الخضيري متواجد حالياً

 رقم العضوية : 4803
 تاريخ التسجيل : Jun 2010
 المشاركات : 1,177
 النقاط : محمد الخضيري will become famous soon enoughمحمد الخضيري will become famous soon enough
 تقييم المستوى : 322

مزاجي
رايق
إرسال رسالة عبر مراسل AIM إلى محمد الخضيري
افتراضي في الشرقاط

في الشرقاط، حيث يمتزج صمت "القلعة" بهدير دجلة، لم تكن الطفولة مجرد سنوات تمر، بل كانت محاولة يومية لفك شفرة الأرض. هناك، في تلك الطرقات التي تفوح برائحة الخبز الحار وصوت النداءات البعيدة، تعلّمنا أن العالم ينقسم إلى ضفتين: ضفة الأهل، وضفة الأحلام التي يجرّها النهر نحو المجهول.
أتذكر جيداً تلك الأصيل الدافئة، حين كنا نركض خلف أحلامنا الصغيرة فوق تلال "آشور". لم نكن ندرك أننا نطأ فوق إمبراطوريات سادت ثم بادت؛ بالنسبة لنا، كانت تلك الحجارة العظيمة مجرد "مخابئ" مثالية للعبة الغميضة، وكان التاريخ مجرد صدىً يرتدّ مع ضحكاتنا المتعالية.
قال لي جدي يوماً، وهو يتكئ على عصاه وينظر نحو النهر:
"يا ولدي، الزلم مثل نخل الشرقاط.. عروقهم بالملوحة، وروسهم بالسما."
لم أفهم حينها أن تلك الملوحة هي تعب السنين، وأن "السما" هي الكبرياء الذي يورثه لنا هذا التراب.
كانت طفولتنا بسيطة، كبساطة "الفطور" المتواضع تحت سدرة الدار.
كنا ننتظر الشتاء لا لنحتمي من البرد، بل لنشاهد دجلة وهو "يطغى"، وكأنه يغسل أوجاع المدينة . كانت أمهاتنا يخشين علينا من "مية النهر"، لكننا كنا نرى في ذلك الموج دعوةً للتمرد، وسراً لا يعرفه إلا من غسل وجهه بماء الفجر هناك.
في المدرسة، كانت "رتب الأسبقية" واضحة في مخيلتنا: المعلم أولاً، ثم حكايات الجدات، ثم أقدم شجرة زيتون في الحي. لم نكن نعرف "أنواع الأوامر" العسكرية، لكننا كنا ننفذ "أمر الخدمة" اليومي بجمع الحطب أو جلب الماء بقداسة المقاتلين، وكأن بقاء البيت يعتمد على سواعدنا الصغيرة.
أتذكر صوت المذياع في دكاكين السوق القديم، يصدح بمقامٍ عراقي أصيل، يختلط بصياح الباعة وجدال الرجال في "المضافة". كانت تلك التفاصيل هي مدرستنا الأولى في فهم الحياة؛ هناك تعلمت أن الرجال لا يبكون، لكنهم يغنون بحرقة تجعل الحجر يلين.
ضحكنا كثيراً حين حاولنا يوماً بناء "سفينة" من ألواح الخشب القديمة لنعبر بها إلى "الجانب الآخر".
صديقي "عبدالله " قال بحماس: "سنصل إلى بغداد!"
أجبته: "بل سنصل إلى الشمس."
انتهت الرحلة قبل أن تبدأ بغرق السفينة عند أول جرف، لكن تلك المحاولة علمتنا أن العبور ليس بالخشب، بل بالجسارة.
اليوم، حين أغمض عيني في زحام المدن الكبرى، أستنشق رائحة "الطين" بعد المطر في شوارع الشرقاط.
أدرك أن تلك الطفولة لم تكن مجرد ذكريات، بل كانت "المسودة" الأولى لكل ما نحن عليه الآن. نحن لم نكبر لننسى، بل كبرنا لنفهم لماذا كان جدي يطيل النظر إلى النهر بصمت.
لقد كانت الشرقاط بالنسبة لنا هي المركز، وكل ما عداها هو الهامش.
هناك، تحت ظل القلعة، تعلمت أن أغلى ما يملكه الإنسان ليس "أوامر التعيين" أو المناصب، بل هي تلك الرجفة التي يشعر بها حين يمرّ اسمه بجانب اسم مدينته في جملةٍ واحدة.
تلك هي الشرقاط في ذاكرتي.. مدينة لا تنام إلا وهي تحلم بموجةٍ جديدة، وأطفالٌ لا يكبرون إلا وهم يحملون في قلوبهم قطعة من ذلك الصلصال المقدس.
بقلم محمد الخضيري الجميلي








توقيع »





  رد مع اقتباس