الموضوع: في ليلة موصلية
عرض مشاركة واحدة
قديم منذ /منذ 2 ساعات   #1

 
شخصية مهمة

الصورة الرمزية محمد الخضيري

 

محمد الخضيري متواجد حالياً

 رقم العضوية : 4803
 تاريخ التسجيل : Jun 2010
 المشاركات : 1,177
 النقاط : محمد الخضيري will become famous soon enoughمحمد الخضيري will become famous soon enough
 تقييم المستوى : 322

مزاجي
رايق
إرسال رسالة عبر مراسل AIM إلى محمد الخضيري
افتراضي في ليلة موصلية

في ليلةٍ موصلية، حيث الرخام القديم يشي بتعب التاريخ، جلستُ في مقهى يطلّ على أطلال المدينة القديمة. كانت رائحة القهوة العربية تمتزج برائحة المطر الوشيك، وصوت الملاعق الصغيرة وهي تصطدم بالزجاج يضبط إيقاع الصمت.
تذكرتُ قول قاسم حداد: "ليس المهم أن نصل، المهم أن نذهب."
وكنتُ حينها أظن أن الذهاب هو فعل الحركة، حتى رأيتها، فأدركت أن أعمق أنواع الذهاب هو الغرق في التفاصيل.
دخلت المقهى والريح تتبعها كأنها ظلها. لم تكن تبحث عن مقعد، بل كانت تبحث عن زاوية تقرأ فيها كتاباً، أو ربما تقرأ فيها وجوهنا المتعبة. كان حضورها يكسر رتابة المكان، ليس لأنها غريبة، بل لأنها كانت تبدو وكأنها الوحيدة التي تنتمي إلى هذا الحزن النبيل في الموصل.
صاحبي، الذي يقدس الأرقام، قال لي:
"النساء معادلة صعبة."
قلتُ له: "بل هنّ الاستثناء الذي يفسد كل المعادلات."
كان المذياع في ركن المقهى يبثّ صوتاً دافئاً لـ "ياس خضر"، وهو يشكو من "عزاز" غابوا ولم يتركوا غير الوجع.
نظرتُ إليها، كانت تقلب صفحات كتابها بتمهّلٍ مربك، كأنها لا تقرأ الكلمات، بل تتحسس ملمس الذكريات. في ملامحها كان هناك شيء من كبرياء القلعة، وشيء من انكسار الجسور التي سقطت يوماً.
التفتت نحوي فجأة، وكأنها شعرت بثقل نظراتي، وقالت بصوتٍ يشبه وشوشة النخيل:
"لماذا يكتب الشعراء عن الحنين وكأنه بلد؟"
أجبتها بصدقٍ لم أتوقعه من نفسي: "لأننا بلا حنين، نصبح مجرد عناوين بلا بيوت."
ابتسمت ابتسامةً باهتة، وقالت: "الحنين فخّ، والبيوت لم تعد تسع أحلامنا."
ثم عادت إلى كتابها، تاركةً خلفها سؤالاً ينهش ما تبقى من يقيني.
في تلك اللحظة، لم أرَ امرأة، رأيتُ قصيدةً هاربة من دواوين السياب، تمشي بيننا لتذكرنا أن الجمال ليس زينة، بل هو تلك القوة التي تجعلك تتلعثم وأنت تحاول أن تقول "مرحباً".
يقولون إن المدن تُعرف بآثارها.
وأنا أقول إن المدن تُعرف بالوجوه التي نلتقيها صدفة، فتغير فينا خارطة الوجع.
ثمة وجوه تعبر حياتك كغيمة صيف، ووجوه أخرى تحفر مجراها في روحك كما يفعل دجلة بالتراب؛ لا يتركك كما كنت أبداً.
حين همّت بالرحيل، تركت على الطاولة قصاصة ورق صغيرة.
التقطتها فإذا بها جملة واحدة، مكتوبة بخطٍ كوفي رصين:
"نحن لا نضيع في الزحام، نحن نضيع في أنفسنا حين نتوقف عن الدهشة."
خرجتْ، وبقي المقهى بارداً رغم الفحم المشتعل.
أدركتُ حينها أن الأنثى ليست مجرد حضور عابر، بل هي تلك اللحظة التي تجعلك تعيد النظر في كل "رتب الأسبقية" التي وضعتها لحياتك، وتكتشف أن "أمر الخدمة" الوحيد الذي يستحق الطاعة، هو الانحياز للجمال ولتلك التفاصيل الصغيرة التي تجعلنا بشراً.
ومنذ تلك الليلة، صرتُ أعرف أن الحب ليس قراراً نوقّعه، بل هو تلك الرجفة التي تصيبنا حين ندرك أننا وجدنا في شخصٍ آخر.. ما فقدناه في أنفسنا منذ زمن بعيد.
هل تودّ أن نكتب مقالاً آخر يركز على جانب مختلف، كأجواء العمل أو ذكريات الطفولة في العراق؟








توقيع »





  رد مع اقتباس