عرض مشاركة واحدة
قديم منذ /منذ 2 ساعات   #1

 
شخصية مهمة

الصورة الرمزية محمد الخضيري

 

محمد الخضيري متواجد حالياً

 رقم العضوية : 4803
 تاريخ التسجيل : Jun 2010
 المشاركات : 1,177
 النقاط : محمد الخضيري will become famous soon enoughمحمد الخضيري will become famous soon enough
 تقييم المستوى : 322

مزاجي
رايق
إرسال رسالة عبر مراسل AIM إلى محمد الخضيري
افتراضي في ليلة على ضفاف دجلة

في ليلةً ما، على ضفاف دجلة في الشرقاط، شعرتُ أن الليل لا يمضي… بل يسترجع.
كان الهواء خفيفًا، والمقهى نصف ممتلئ برجالٍ يتجادلون في السياسة ونصف فارغ من الذين غلبهم الحنين. جلستُ أراقب صفحة الماء، وأفكر: كم قصةً ابتلعها هذا النهر دون أن يبوح؟

قيل إن مظفر النواب كان يؤمن أن المرأة ليست ملامح، بل موقف. ليست عينين جميلتين، بل قدرة على إرباك اليقين.
وأنا، منذ تلك الأمسية، بدأت أفهم قصده.

دخلتْ المقهى بهدوءٍ لا يطلب انتباهًا، لكنه يفرضه. لم تكن ترتدي شيئًا استثنائيًا، ولم تكن تبتسم كثيرًا، لكن حضورها كان كجملةٍ مكتملة في نصٍّ مرتبك. شعرتُ أن المكان أعاد تعريف نفسه بوجودها. حتى أكواب الشاي بدت أكثر دفئًا.

صديقي، الذي يدّعي الحكمة، قال:
الجمال عادةٌ بصرية.
أجبته: بل الجمال حدثٌ داخلي. شيءٌ يشبه ارتباكًا جميلًا لا تفسير له.

انبعث من المذياع صوت كريم منصور، يغني عن فراقٍ لا يُشفى.
تأملتُ وجهها للحظة، ورأيت في عينيها ما يشبه أغنية قديمة لـ سعدي الحلي؛ تلك التي تُغنّى في الأعراس، لكنها تخفي بين طبقاتها حزنًا قديمًا.

قالت لي فجأة:
لماذا يظنّ الرجال أن النساء ألغاز؟
قلتُ: لأننا نخاف من البساطة.
ابتسمت، ومضت بنظرها نحو النهر، كأنها تبحث عن إجابةٍ في المدى.

في حياتنا وجوه كثيرة.
وجوه تمرّ كالأخبار العاجلة، ووجوه تبقى كالعناوين الكبرى.
لكن ثمة وجهًا واحدًا فقط يغيّر ترتيب أفكارك، ويجعلك تعيد النظر في كل ما كنت تظنه ثابتًا.

أدركتُ تلك الليلة أن المشكلة ليست في الفقد، بل في العبور.
نحن لا نحزن لأن الأشياء تنتهي، بل لأننا لم ننتبه لها وهي تبدأ.

ضحكتُ من نفسي وأنا أتذكر الذين يتحدثون عن عوالم موازية.
أي عالمٍ موازٍ نحتاج، ونحن لم نفهم بعد هذا العالم الصغير بين نبضتين؟

عادت إلى الطاولة، وقالت بصوتٍ خافت:
دجلة لا يحتفظ بشيء، لكنه لا ينسى.
فهمتُ عندها أن بعض اللقاءات لا تُقاس بطولها، بل بعمقها.

ومنذ تلك اللحظة، صرتُ أؤمن أن المرأة ليست قصيدة تُكتب،
بل مرآة نرى فيها ما كنّا نخشى أن نراه في أنفسنا.
بقلم محمد الخضيري الجميلي








توقيع »





  رد مع اقتباس